عبد الرحمن بدوي

194

دفاع عن القرآن ضد منتقديه

وعندئذ صعد فرعون عليه ثم رمى السهم نحو السماء فتحولت إلى بقع من الدم وعندئذ قال فرعون : « لقد قتلت إله موسى » ، بينما يرى بعض المفسرين الآخرين أن فرعون لم يبن هذا الصرح لأنه حسب قول الفخر الرازي أي شخص عاقل يستبعد أن يفكر في صعود برج أيا كان ارتفاعه ليقترب من السماء ، وفي الحقيقة أن من يصعد جبلا عاليا يرى السماء أبعد مما يراها من على الأرض ، وأي رجل عاقل يعرف تماما أنه لا يمكن عمل سهم يلمس السماء ، وكل من حاول القيام بعمل مثل هذا يعد مجنونا ، فلا يمكن حسب الدين ولا حسب العقل أن نفسر هذه الآيات بطريقة يرفضها العقل بالضرورة ، وكذلك يؤكد الرازي أن التفسير الأكثر تصديقا هو أن نقول أن فرعون أعطى تلميحا ببناء هذا الصرح لكنه لم يبنه في الحقيقة ، وقول فرعون بهذه الكلمات ( يا هامان ابن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السماوات ) « كان هذا من باب السخرية ليثبت أنه من المستحيل اثبات وجود إله موسى وإلا سيطلع إلى السماوات ليتأكد إن كان ذلك ممكنا وأي ارتفاع على أي برج حتى أعلى ارتفاع ممكن ، وبهذا التفسير الرائع استطاع فخر الدين الرازي « 1 » أن يلقى الضوء على عبثية كلام فرعون . ولكن لا أحد من المفسرين المسلمين أثار أية مشكلة فيما يتعلق بشخصية هامان وهذا يقتضى أنه لا أحد من النقاد المسيحيين أو اليهود للقرآن فكر في إثارتها وإلا لوجدت إجابة واضحة من المدافعين المسلمين عن القرآن ، وفي الواقع أنه لا أحد من المجادلين المسيحيين من لدن يوحنا الدمشقي حتى عصر النهضة أثار هذه المشكلة فيما يخص هامان « 2 » ولكننا نجد ذلك فقط في المجادلات المسيحية الحديثة . وحتى لا نذهب بعيدا في تاريخ المجادلة المسيحية في هذا الموضوع نكتفي

--> ( 1 ) فخر الدين الرازي ، تفسير القرآن - القاهرة ( ج 24 ص 53 ) ، وتوجد مسودة من أصله عند عبد الجبار ، تنزيه القرآن ( ص 310 ) . ( 2 ) عادل تيودور خورى Adel - TheodreKhoury - علماء اللاهوت البيزنطيين والإسلام ، لوقان 1969 .